المقداد السيوري
390
كنز العرفان في فقه القرآن
الثالثة : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله واسِعٌ عَلِيمٌ » ( 1 ) . قال الراونديّ والمعاصر : إنّها نزلت في أهل البصرة ونقلا ذلك عن الباقر عليه السّلام وابن عباس وعمّار وعن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال يوم الجمل : « واللَّه ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم » ( 2 ) وتلا الآية . وعن حذيفة مثله وعندي فيه نظر بل هي أعمّ من ذلك وإنّما هي خطاب لكافّة المؤمنين في حياة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وإعلام منه تعالى أنّ منهم من يرتد بعد وفاته بالقيام والتمالؤ على وصيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وإنكارهم النصّ عليه وذلك هو ما يقوله جمهور أصحابنا أنّ دافعي النصّ كفرة والارتداد هو قطع الإسلام بما يوجب الكفر فيكون ذلك شاملا لأهل البصرة وغيرهم . وقول عليّ عليه السّلام « واللَّه ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم » حقّ وصدق فانّ منكري إمامته من المتقدّمين لم يقع بينه وبينهم قتال بل أوّل قتال وقع له عليه السّلام بعد وفاة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله هو حرب الجمل فلذلك قال ما قال وقد عرفت أنّه مهما أمكن حمل الكلام على عمومه فهو أولى . ويدلّ على أنّ الارتداد بإنكار النصّ والقيام على أمير المؤمنين عليه السّلام ذكر أوصافه في متن الآية بقوله : « يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ » فهو كقول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله يوم خيبر : « لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللَّه ورسوله ويحبّه اللَّه ورسوله كرّار غير فرّار » ( 3 )
--> ( 1 ) المائدة : 57 . ( 2 ) راجع مجمع البيان ج 3 ص 208 . ( 3 ) حديث متفق عليه راجع صحيح البخاري ج 2 ص 299 وج 3 ص 51 ، مشكاة المصابيح ص 563 . سيرة ابن هشام ج 2 ص 334 .